عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
100
اللباب في علوم الكتاب
احتجّ الأوّلون بقوله عليه [ أفضل ] الصّلاة والسّلام - « إنّ اللّه كتب عليكم السّعي ، فاسعوا » « 1 » . فإن قيل : هذا متروك الظّاهر ، لأنّه يقتضي وجوب السّعي ، وهو العدو ، وذلك غير واجب « 2 » . قلنا : لا نسلّم أنّ السّعي عبارة عن العدو ؛ [ بدليل قوله تعالى : فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الجمعة : 9 ] والعدو فيه غير واجب ] « 3 » وقال - تبارك وتعالى - : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ النجم : 39 ] وليس المراد منه العدو ، بل الجدّ ، والاجتهاد ، سلّمنا أنه العدو ، ولكنّ العدو مشتمل على صفة ترك العمل به في هذا الصّفات ، فيبقى أصل المشي واجبا . واحتجّوا أيضا : بأنّه - عليه الصّلاة والسّلام - لما دنا من الصّفا ، قال : « إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه ، ابدءوا بما بدأ اللّه به » فبدأ بالصّفا فرقي عليه ، ثم سعى ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « خذوا عنّي مناسككم » « 4 » ، وقال تعالى : وَاتَّبِعُوهُ [ الأعراف : 158 ] وقال تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] وقالوا : إنه أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم ويؤتى به في إحرام كامل ، فكان جنسها ركنا ؛ كطواف الزّيارة ، ولا يلزم طواف الصّدر ، لأنّ الكلام للجنس ؛ لوجوبه مرة . واحتجّ أبو حنيفة - رضي اللّه عنه - بوجوه : منها : قوله تعالى : « لا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما » وهذا لا يقال في الواجبات ، وأكّد ذلك بقوله : « ومن تطوّع » فبيّن أنه تطوّع وليس بواجب . ومنها : [ قوله ] : « الحجّ عرفة فمن أدرك عرفة ، فقد تمّ حجّة » « 5 » ، وهذا يقتضي التمام
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 6 / 422 ) والطبراني في « الكبير » ( 11 / 183 ) والحديث ذكره الهيثمي في « مجمع الزوائد » وعزاه أيضا للطبراني في « الأوسط » وقال : وفيه المفضل بن صدقة وهو ضعيف . والحديث ذكره المتقي الهندي في « كنز العمال » ( 12042 ) وعزاه للطبراني عن ابن عباس . وأخرجه البيهقي ( 5 / 98 ) والطبراني كما في « المجمع » ( 3 / 148 ) وقال : وفيه المثنى بن الصباح وقد وثقه بن معين في رواية وضعفه جماعة . ( 2 ) هذه العبارة وردت هكذا في أ : عبارة عن العدو ؛ بدليل قوله : « فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ » وهو العدو ، وذلك غير واجب فالجواب : لا نسلّم أن السّعي عبارة عن العدو ، وهو غير واجب . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) أخرجه أحمد ( 3 / 318 ) وابن خزيمة ( 2877 ) والبيهقي ( 5 / 125 ) وابن عبد البر في التمهيد ( 2 / 69 ، 91 ، 98 ) و ( 4 / 333 ) و ( 5 / 117 ) و ( 87 / 272 ) وأبو نعيم في « الحلية » ( 7 / 226 ) . وانظر نصب الراية ( 3 / 55 ) وفتح الباري ( 1 / 217 ) والإتحاف ( 4 / 437 ) . ( 5 ) أخرجه الترمذي ( 889 ) وأبو داود ( 1949 ) والنسائي ( 5 / 264 ) والحاكم ( 1 / 464 ) وابن خزيمة ( 2822 ) والبيهقي ( 5 / 116 ) والحميدي ( 2 / 399 ) وأحمد ( 4 / 309 - 310 ) وابن ماجة ( 3015 ) -